ابن بسام

140

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ألقى إليّ ما يرضيني أسقك ، فتلقي إليه ما عندها من كسوة أو حلية أو مال ، وتدلّي نحوه ما حضرها من قربة أو آنية في رشاء ، فتغيث به نفسها أو طفلها . وعرف الطاغية ذلك ، فنهى رجاله [ عنه ] وقال : اصبروا وقتا ويؤخذون جملة . وآل بجماعتهم آخرا أن ألقوا إلى المشركين بأيديهم فارّين من الظمأ مع أمان ، فلما رأى الطاغية كثرتهم وانتشارهم ، هاله ذلك وخاف أن تدركهم حميّة في استنقاذ أنفسهم ، فأمر أصحابه ببذل السيف فيهم ليخفف من أعدادهم ، فقتل منهم يومئذ خلق عظيم تحدث أنهم نيّفوا على ستة آلاف قتيل . ثم نادى ملكهم برفع السيف عنهم ، وأمر جميعهم بالخروج عن المدينة بالأهل والذريّة فابتدروا الخروج عنها مزدحمين على أبوابها ، فمات منهم في ازدحامهم [ ذلك ، من الشيوخ والعجائز والأطفال ] جماعة ، وجعل كثير منهم يتدلّون بالحبال من ذرى السور فرارا من ضغط الازدحام على الأبواب ، وبدارا إلى شرب الماء ؛ واستمسك في القصبة من وجوه الناس وجلداء فتيانهم نحو سبعمائة رجل ، تحصنوا فيها ولاذوا من موت السيف بموت الغلّة . ولما برز جميع من بقي من أهل المدينة عنها إلى فناء / بابها [ 1 ] بعد من خفّف منهم بالقتل ، وهلك في الزحمة ، ظلّوا قياما ذاهلين منتظرين لنزول [ 2 ] القضاء بهم ، نودي فيهم بأن يرجع كلّ ذي دار منهم إلى داره ووطنه بأهله وولده ، وأزعجوا لذلك ، فنالهم من الازدحام قريبا مما نالهم في خروجهم [ 3 ] عنها فلما استقرّوا فيها [ 4 ] [ مع عيالهم وذرياتهم ] اقتسمهم المشركون بأمر سلطانهم قسمة قرروها بينهم ، فكلّ من صارت في حصّته دار حازها ، وحاز ما فيها من أهل وولد ومال ، يحكم [ 5 ] كلّ علج منهم في من [ 49 ب ] سلّط عليه من أرباب الدور بحسب ما يبتليه اللّه به [ منهم ] ، يأخذ كلّ ما أظهره عليه من نشب ، ويقرّره على ما أخفاه عنه [ 6 ] ، يعذّبه أنواعا من العذاب [ 7 ] حتى يبلغ نفسه عذرها منه ، فربما زهقت نفس المسلم دون ذلك فاستراح ، وربما أنظره أجله إلى أسوأ من ذلك [ 8 ] ، فإنّ عداة اللّه كانوا يومئذ يتولّعون بهتك حرم أسراهم وبناتهم بحضرتهم

--> [ 1 ] ط د س : ولما برز جميع من خرج عن المدينة بفناء بابها . [ 2 ] د ط س : نزول . [ 3 ] د ط س : الخروج . [ 4 ] د ط س : بالدور . [ 5 ] ط د س : ليحكم . [ 6 ] د ط س : ويقرره عليه فيما أخفى . [ 7 ] د ط س : يعذب أشد العذاب . [ 8 ] ط د س : إلى أسوأ مقامه ذلك .